ابن يعقوب المغربي

454

مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح

قيل : فلان طويل ، ولو قيل كذلك لم يكن كناية ، بل تصريحا بطوله الذي هو طول قامته ، فلما لم يصرح بطوله لإضافته إلى النجاد ، وأومأ إليه بتحمل الضمير كانت كناية مشوبة بالتصريح ولم تجعل تصريحا حقيقيا كما جعل قوله تعالى حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ " 1 " تشبيها حقيقة كما تقدم لا استعارة مشوبة بالتشبيه ؛ لأن الموصوف في نفس الأمر بالطول ، والمقصود نسبة الطول إليه كما اقتضت قواعد العربية هو المضاف إليه ، وتحميل الصفة للضمير إنما هو لرعاية الأمر اللفظي ، ونعني بالأمر اللفظي هنا : ارتكاب ما حكمت به قواعد الإعراب من أن المشتق لا بد له من الضمير ، ولو لم يكن الضمير هو المقصود بالوصف في نفس الأمر ، وصح لنا أن نحمله ضمير غير الموصوف لقضاء ما اقتضته القواعد ؛ لأن موصوفه الحقيقي سببي صاحب الضمير فكأنه هو ، ولما كان الموصوف حقيقة هو النجاد صار بمنزلة طويل نجاده ، فكانت مشوبة بالتصريح لا تصريحا ، والدليل على أنا حملناه الضمير وهو فاعله لفظا لا أنه مضاف لفاعله لفظا بل لفاعله معنى أنا نقول هند طويلة النجاد بتأنيث الصفة نظرا لهند ، والزيدان طويلا النجاد بتثنيتها نظرا للزيدين ، والزيدون طوال النجاد بجمعها نظرا للزيدين فقد أنثنا الصفة وثنيناها وجمعناها لزوما ؛ لإسنادها إلى ضمير الموصوف فوجبت مطابقتها للموصوف ، ولو أخليناها عن ضمير الموصوف ما جرت عليه بالمطابقة ؛ لأن الصفة المسندة لغير ضمير ما جرت عليه لا تطابق ما قبلها ، وقد تقرر ذلك في محله ، ولذلك نفردها مذكرة حيث يكون ما أسندت إليه يقتضي فيها ذلك ، ولو كان الموصوف بها لفظا مؤنثا أو مثنى أو مجموعا فنقول : هند طويل نجادها فتذكر الصفة لا طويلة ؛ لأنك أسندتها إلى النجاد لا إلى ضمير هند ، والزيدان طويل نجادهما ، والزيدون طويل نجادهم بالإفراد بعد التثنية والجمع لإسنادها إلى المفرد وهو النجاد لا إلى ضمير المثنى والمجموع ، بخلاف ما إذا أسندتها لضمير ما قبلها فتجب مطابقتها ، ولذلك قلنا : إن فيها شوبا من التصريح ، وقد تقدم وجه جعلها كناية لا تصريحا محضا فإن قلت : قد قررت بما ذكر أن نحو : النجاد في نحو المثالين هو

--> ( 1 ) البقرة : 187 .